أقلعت الأسبوع الماضي آخر رحلة جوية لنقل اللاجئين العراقيين بمصر لبلادهم ضمن رحلات أسبوعية تكفلت بها السفارة العراقية بالقاهرة منذ أغسطس الماضي، ولكن محصلة هذه الرحلات لم تتعد الألفين من بين تسعين ألف عراقي تقريبا بمصر.
الخطوة وصفت من قبل متابعين بالدعائية لإظهار الأوضاع وكأنها غدت أكثر استقرارا في العراق،وتلتها ترتيبات مماثلة لتشجيع عودة العراقيين من الأردن والسعودية، واعترضت عليها منظمات حقوقية كونها لم تضمن حقوقا للعائدين وقالت مفوضية اللاجئين أنها "لا تنصح بها لكنها لا ترفضها".
ويعيش نحو مليوني عراقي في دول الجوار منذ حرب قادتها الولايات المتحدة وبريطانيا لإسقاط الرئيس العراقي صدام حسين في ٢٠٠٣.
 |
من جهتها وصفت المتحدثة باسم المفوضية العليا لشئون اللاجئين "د.عبير عطيفة" عملية إعادة اللاجئين العراقيين في مصر إلى وطنهم بأنها ليست طوعية وإنما جاءت بسبب الحاجة، موضحة أن المفوضية ليس لها دور في العودة التي "لا ننصح بها ولا نشجعها ولكنها تبقى قرارا فرديا يأخذه اللاجيء وفقا لظروفه" ويفترض في العودة الطوعية المنظمة من قبل المنظمة الدولية أن يتم التأكد من انتفاء الدوافع التي أجبرت اللاجيء على الفرار من موطنه، كما يتم غالبا تعاون المنظمات التنموية مع الحكومات المحلية لتوفير مؤهلات الحياة لمناطق النزوح التي تعرض لأزمات بسبب الحروب أو الكوارث.
أرقام
وقبيل الحرب كان عدد اللاجئين العراقيين بمصر لا يتعدى 42 شخصا، وحتى العام2005 كان العدد ٢٤١ لكنه تضاعف مع زيادة أعداد العراقيين الفارين من العنف الطائفي والتهجير القسري ببلادهم منذ منتصف العام 2006 حيث وفد الآلاف منهم وفق تأشيرات سياحية، وبدأت أعداد منهم في التسجيل كلاجئين بعد أن قيدت الحكومة المصرية تجديد إقامتهم ليصل العدد نهاية العام ٢٠٠٦ إلى ٣٠٩٨ لاجيء مسجل، وحتى أغسطس الماضي وصل العدد ل١٠٦٤٥ منهم ٩٠٠ شخص سجلوا عام ٢٠٠٨ فقط.وكان أكبر تعداد للعراقيين الفارين لمصر في نهاية العام قبل الماضي وبحسب تصريحات الحكومة المصرية هو 130 ألفا.
محطات في الإقامة
غالبية الذين قدموا لمصر بعد الحرب الأخيرة فروا من العاصمة بغداد وينتمي معظمهم للطائفة السنية، وقدموا كأفراد وعوائل، أما الذين عادوا فهم هؤلاء الذين نفذت مدخراتهم وليس بوسعهم العمل في بلد يعاني اقتصاده.وفضلت عائلات كثيرة مغادرة مصر للأردن للم الشمل أو للبحث عن عمل.
وقالت عطيفة لإذاعة هولندا العالمية أن معدل العراقيين الذين يلجئون للمفوضية نحو ٨٠ شخصا أسبوعيا وهو عدد قليل مقارنة بفترات سابقة العام الماضي حيث كانت طوابير العراقيين تنتظم منذ الصباح الباكر أمام مقر المفوضية التي كانت تستقبل نحو 300 طلب أسبوعيا وكان تحديد مواعيد المقابلة يمتد لأربعة أو خمسة أشهر، لكن كل من تقدم طالبا اللجؤ وقتها استفاد من قرار المنظمة الدولية اعتبار النازح من وسط أو جنوب العراق "لاجئا" باعتبار أنها مناطق تشهد خطرا على حياة المدنيين، لكنه لا يضمن توطين هؤلاء في بلد ثالث.
وتفسر عطيفة رغبة البعض في إغلاق ملفات تقدمه للجوء بأنهم إما وجدوا طريقة لتسجيل إقامتهم السنوية كمستثمرين أو لاحظوا أن الحكومة المصرية لم ترحل أيا من العراقيين ممن استنفذوا مدة الإقامة الرسمية لكنها أوضحت أن البعض يغادر مصر دون إخطار المفوضية أو التقدم بطلب لإغلاق ملفه.
وبحسب اللاجئ العراقي علي مراد- 35 سنة فإن هناك شباب يحاولون السفر برا لليبيا المجاورة لمصر بحثا عن عمل أو فرصة للهجرة لأوربا حتى ولو بطريقة غير شرعية، وأنه يخشى المغامرة بالسفر حتى لا يفقد الحق في العودة لمصر، ويعيش مراد في منطقة الهرم بالجيزة وحاول العمل كمدرس للغة الانجليزية التي كان يدرسها ببغداد ولم يفلح، ويعمل في مطعم يملكه عراقي بنفس المنطقة ويقول لإذاعة هولندا "عندما وصلت هنا قبل عامين تصورت أنني ساستطيع جلب أسرتي ولكن الإجراءات تعقدت بسبب وقف منح سمات الدخول للعراقيين ودخلي لايكفي لاستئجار شقة لائقة "
والسعودية أيضا:
ويبدو أن الاستقبال الإعلامي الجيد لمبادرة المالكي مع لاجئي بلاده في القاهرة جعلته يقرر تخصيص طائرته لنقل مواطنيه الراغبين في العودة من السعودية مع منح مبلغ خمسة ملايين دينار وقطعة ارض. وغالب هؤلاء- ويقدر عددهم بالمئات - فروا لها أثناء حرب العام١٩٩١ ومكثوا في مخيم"رفحا" للاجئين.
لكن متابعين يرون الخطوة مقابلا لحل قضايا عشرات السعوديين الذين القي القبض عليهم أثناء استعدادهم لتنفيذ عمليات عنف بالعراق.كما يوجد ٤٣٤ معتقلا عراقيا في السعودية بتهم مختلفة.
ويقول أبو أثير وهو صاحب مكتب لبيع أجهزة الكومبيوتر التقيناه بضاحية أكتوبر حيث يعيش الكثير من العراقيين أن اللجوء لن يعطيه فرصة قريبة للسفر لأوربا وأنه "يخجل" أن يحمل كارت اللاجيء في حين أن لديه مورد دخل جيد.
لكن أحد العاملين لديه لم يتمكن من إلحاق أطفاله بمدارس حكومية وواصل إجراءات التسجيل كطالب لجوء وهو ما ساعده على إلحاق صغاره بمدارس خاصة.
وتقول مفوضية اللاجئين أنها بدأت منذ العام الماضي في مساعدة الأطفال اللاجئين في سن التعليم الإلزامي(حتى 18 عاما) بدفع نحو 80% من تكلفة دراستهم وأن هناك ٢٦٢١ طفل عراقي من بين 7 آلاف آخرين استفادوا بهذه المنح.
وحذر مركز الجنوب لحقوق الإنسان سابقا من حرمان أطفال اللاجئين من التعليم قائلا في بيان له أن هذا سيجعلهم لاحقا مادة لإغواء جماعات العنف.
وبحسب احصائيات المفوضية بالقاهرة فإن 49% من المتقدمين العام الماضي هم من النساء غالبيتهن بدون عائل أو زوج.
عودة الاهتمام باللاجئين العراقيين:
ودشنت منظمة جديدة لمساعدة اللاجئين العراقيين تتخذ من إحدى الكنائس الكاثوليكية(سان آندرو بوسط البلد) مقرا لها وتقدم الدعم القانوني للاجئين وبعض النصائح من قبيل "التأقلم مع الحياة في مصر والبحث عن عمل وعدم الارتكان للراحة والتبذير" وتعطي صفة اللاجي وملتمس اللجوء في مصر لحاملها بعض المساعدات المادية والصحية.
عرضت مفوضية اللاجئين فيلما تسجيليا بعنوان "بين الأرض والسماء" صور بين مصر وسوريا والأردن، ومن بين ثلاثة من قصصه تدور الثانية حول شقيقين عراقيين أحدهما فر لسوريا والآخر لمصر، وقصة عن فتى عراقي في السادسة عشر من عمره موهوب فنيا فر مع أسرته لمصر.
وأعلنت بعض المنظمات الثقافية عن ندوات وفعاليات تعليمية وتدريبية للاجئين ومنهم العراقيين واستمرت حملة دشنتها الجامعة العربية من مقرها بالقاهرة وشارك فيها فنانون عرب لتقديم العون المادي للاجئين العراقيين عبر حفلات فنية وتبرعات خصص غالبها لدعم تعليم أطفال اللاجئين.
وبخلاف خبر نشر هذا الصيف عن إلقاء القبض على شبكة للدعارة بالجيزة يترأسها عراقي ويعمل بها فتيات عراقيات بعضهن لم يتعد العشرين عاما، فلم يجد العراقيون في مصر طريقهم لصفحات الحوادث إلا في القليل من الحوادث الفردية.
وفي نهاية سبتمبر الماضي حمل المقال الافتتاحي لجريدة الجمهورية شبه الرسمية دعوة لطرد العراقيين من مصر بعد أخبار غير مؤكدة عن توزيع بعضهم كتيبات شيعية تسيء للمذهب السني ولمصر.
وبدا الأمر مثيرا حيث نقل الخبر بأسطره الخمسة مواقع اليكترونية دون ذكر المصدر، ودون الإجابة على تساؤلات مثل: من طبع الكتاب أو الكتب ؟ وهل هو نفسه من وزعه؟ وكيف يخاطر عراقي شيعي بالقاهرة بهذا التصرف ولماذا لم يتم تحرير محضر بالواقعة؟ والأهم أن عدد العراقيين في مصر يتراجع ونسبة الشيعة فيهم بالأساس قليلة للغاية. ولا يتصور أن يقبلوا علي إثارة مشاكل من هذا النوع هم هاربون من مشاكل شبيهة لها ببلادهم في بلد يستضيفهم وإقامتهم فيه غير رسمية لان معظمهم انتهت مدد إقامتهم في مصر.
وفي مناطق مختلفة من أحياء متوسطة وغالبها بالعاصمة القاهرة كالهرم وفيصل لازال هناك الكثير من الأسر العراقية التي ربما غادر بعض أفرادها خاصة من النساء والأطفال بينما ينتظر البعض خاصة الشباب منهم فرصة للجؤ قد تتأخر لسنوات، واحتفظت الأسر الأعلى دخلا بما اشترته من شقق في مناطق راقية بأحياء الرحاب والمعادي ومصر الجديدة ومدينة نصر...فربما يعودون لها مرة أخرى.